بداية أعتذر من كل الآباء والأمهات …. لماذا هذا الاعتذار ؟ .. لأني سأقوم اليوم بتوجيه النقد لهم .. فأنا أوجه نقدي لكل الآباء والأمهات .. وأنتقد الجيل الذي تجاوز الخمسين من عمره الآن .. أما لماذا فسوف أقول لكم كيف ذلك ،،
في مجتمعنا السعودي انتقل الجيل (الخمسيني) من حالة الفقر المدقع إلى العيش برفاهية والسبب واضح للعيان هو اكتشاف حقول النفط في المملكة وازدهار أعمال التنقيب ولا يوجد سبب غير ذلك .. فشقت الطرق وبنيت المستشفيات وأقيم في البلاد بنية تحتية لا بأس بها دفعت الناس للانتقال من بيوت الطين والمزارع إلى الفلل ذات المساحات الكبرى ، لكن هذا الجيل وللأسف الشديد لم يتغذ على مفاهيم التنمية البشرية وطرق بناء الانسان بقدر ماتغذى على جوانب موغلة في السطحية ، فالرياض مثلا مابين العام 1970 وحتى 2000 كانت مدينة هادئة تقليدية لا تميز فيها يستحق الذكر ولا فعاليات فيها .. الفنون منعدمة والمسارح لا وجود لها .. والمقاهي اقتصرت على مقاهي الشيشة ووسائل الإعلام كانت شبه مغلقة بما فيها التلفزيون ، لم يكن هناك سوى الرياضة ومباريات كرة القدم .. وفيما عدا ذلك فالجميع كان يتجه للنوم عند العاشرة ليلاً .
هذا الجيل كما قلت لم يتغذ على جوانب تطوير الانسان وبنائه ، لذلك عندما تحولوا إلى آباء وأمهات استمروا بنفس الأفكار التي كانوا يعيشونها في المزارع وبيوت الطين .. صحيح أن الأفكار تطورت بلا شك لكن النواة الأساسية لازالت باقية وتتضح ذلك في بعض العادات والتقاليد السطحية والتي لازالت مستمرة حتى يومنا هذا .
لأضرب لكم مثالاً يقرب الصورة أكثر ، جميع الآباء يتعقبون أبنائهم بعد الخروج من الغرفة لإغلاق الإضاءة وجهاز التلفزيون ، جميع الآباء يغضبون لعدم إغلاق الإضاءة في الغرفة المغلقة من منطلق (طفوا النور وشوله الخسائر) .. لكن بربكم .. هل اجتمع يوم من الأيام أب مع ابنه بهدوء وبعيداً عن الضجيج ليبين له كم أن الانسان يرتقي بفكره واسلوب حياته وأن القضية ليست مجرد تخفيض في الفاتورة .. بل هو أكبر من ذلك المفهوم .
- ألم يكرس الجيل الذي سبقنا مفاهيم التفرقة العنصرية والقبلية والمذهبية ، بل يصل الأمر إلى أن يطلب الأب من ابنه عدم الجلوس في المدرسة مع أبناء فلان لأنهم من منطقة كذا وأبناء علان لأنهم كذا ، بل يكفي التعصب المذهبي ومعاملة الشيعة أو السنة (من كلا الطرفين) معاملة حرب ، فلا حديث ولا نقاش ولا ود .. بل ولا حتى ابتسامة ! ، أين هذا الجيل من دول تتضمن عشرات الأديان وليس المذاهب وعشرات الأعراق وليس القبائل ومع ذلك مجتمعها أرقى من يتناول مثل هذه الخلافات السطحية ، بل تأملوا كيف تخصص الجيل الذي سبقنا في إطلاق (العيارات) على الآخرين وتفننوا في هذا الجانب !
- النظام .. وما أدراك مالنظام ، لا يذكر التاريخ أبداً أن الجيل الذي سبق حاول تطبيق مفاهيم النظام إلا باستثناء الوقوف أمام الخباز ، فيما عدا ذلك فتكريس الفوضوية غلب كل شيء ، بدءاً من أساليب الشراء من البقالة القريبة وانتهاء بالوقوف لشراء (الفسحة) بالمدراسة وانتهاء بطريقة تعليم قيادة المرأة ، النظام والانتظام غيبا تماماً عن الجيل السابق .
- تطوير الذات وبناء الانسان ، قلة قليلة من الجيل السابق كرست هذه المفاهيم في الأسرة وتوجهت فعلاً لبناء الانسان بكل ماتحمله الكلمة من معنى ، أما البقية فكأنها برمجت على ترهيب الطفل وابعاده عن كافة مناشط الحياة ، فإذا دخل مجلساً للرجال وجلس بجانب والده فستأتيه العبارة الشهيرة ( رح عند أمك ) .. أما إذا كان جريئاً وحاول الحديث فسوف يكون (القمع) هو الحل النهائي حيث سيطالبه والده بالسكوت وعدم الحديث أمام الرجال ، تكريس مفهوم تطوير الانسان مفاهيم غائبة إلا من قلة قليلة كما قلت ، لذلك الجيل الذي نشأ لاحقاً لم يتربى على قراءة الكتاب والقصص في طفولته إلا من توجه لذلك الفكر من تلقاء نفسه .. الأسرة لم تفعل شيء وهذا الحديث ليس قاعدة بالطبع بل مؤكد أن هناك أسراً عكس ذلك لكني سأتحدث من خلال المنظور المطلق .
دائماً مايدعو الأب دعوته الشهيرة حينما يرى ابنه وهو يقول (جعلك أبرك من أبوك) .. وبإذن الله الجيل القادم الذي سيقود البلد سيكون (أبرك) من الجيل السابق























