
بعد كل حالة وفاة، يردد الجميع ( اذكروا محاسن موتاكم) وهو حديث منسوب إلى الرسول صلى الله وعليه وسلم وفي كثير من المواقع يذكر على أنه (حديث ضعيف) .. ماعلينا ، أقول دائماً ماتردد هذه المفردة بعد كل حالة وفاة، وهي على العموم أمرٌ محمود فالحال لا يمكن تقبله بذكريات سيئة عن الفقيد .. على الأقل خلال أيام العزاء.
لكن الكثير أيضاً يخالف المعتاد و(يزيد العيار) قليلاً حيث يذكر محاسن الفقيد وذكرياته الجيدة لكن ذلك يصاحبه مبالغة شديدة جداً قد تحول حال الفقيد من انسان فاشل في حياته إلى أسطورة بعد وفاته، قبل نحو سنوات أو بمعنى أصح قبل (العشرينيات) من عمري كنت أقرأ بإعجاب سير الموتى في الصحف .. أعمالهم وإنجازاتهم وأردد مثل الآخرين (وين أيام فلان) .. رغم أن فلان كان فاشلاً ضعيفاً ، بعد سنوات بدأت أتابع شخصيات قيادية في مختلف المجالات وأصبحت أقيم أعمالهم وهم على قيد الحياة .. بعضهم ناجحٌ فعلاً وبعضهم متوسط وكثير كانوا (فاشلين) بكل ماتحمله الكلمة من معنى، بعد وفاتهم أصبحت أقول وجهة نظري الخاصة حتى ولو أظهر الآخرون بأن (الراحل) يصنف كفقيد للوسط الفلاني أو العلاني وأن الفقيد كان (سابق عصره) .. ومافيش زيه.
الحال نفسه ينطبق على موتى حوادث الطرق .. لا أقول جميع من فقدوا حياتهم من حوادث السيارات كانوا متهورين أو مجانين في القيادة لأن الحوادث غير مقتصرة على السرعة فقط ، لكن أعتقد لن نختلف بأن نسبة كثيرة من حوادث السيارات تعود إلى القيادة المتهورة وأعني بذلك من يصل لسرعة 160 كلم وما فوق !!
في مطلع 2008 قررت بأن لا أتجاوز سرعة 100 كلم داخل الرياض بأي حال من الأحوال خاصة بعد أن اطلعت على دراسة مرورية على مستوى عدة دول في العالم تؤكد بأن فارق التوقيت في القيادة بين مكان وآخر داخل المدينة لا يتجاوز متوسطه (10 دقائق) لأنك في وسط المدينة لاتسير على طريق سريع بل ستقف أمام نقطة تفتيش
أو إشارة مرور .. أو حتى ازدحام مروري متوقع، لو انطلقت مثلا من مبنى برج المملكة في الرياض متجهاً لاستاد الملك فهد الدولي على سبيل المثال.. سيكون الفارق بين من يمشي 180 ومن يسير بسرعة لا تتجاوز 100 ضئيل جداً .. هذا سيصل إلى الهدف في غضون 10 دقائق والآخر سيستغرق 20 دقيقة .. هل الفارق يستحق هذه المخاطرة ؟
أعتقد أن كثير منا عاش مرحلة (مراهقة القيادة) وعشق الانطلاق بسرعة .. لكنها مرحلة (تمر وتعدي) لدى الكثيرين .. إلا أن البعض يرتبط بها حتى تحدث كارثة أو يتعرض لدرس قوي (يؤدبه) ويعيده إلى الجادة كما يقولون، أتقبل من يقود بسرعة في خط سريع مثلا .. لكن أن يسير بسرعة 160 في طرق مليء بالإشارات أو السيارات فهذا هو تعريف الجنون بكل ماتحمله الكلمة من معنى.
فقدت اثنين من زملاء دراسة بسبب قيادتهم المتهورة وعندما أعود إلى أيام الجامعة لازلت أتذكر أني ركبت مع أحدهم لتناول وجبة الغداء .. كانت رحلة لتناول وجبة غداء أي أننا لا نملك أمراً هاماً يستحق القيادة بتهور .. سنذهب للمتعة والضحك والأكل .. لكني لازالت كيف حول قائد السيارة تلك الرحلة القصيرة إلى فيلم رعب، لذلك لم أستغرب بعد عدة أشهر من تناول تلك الوجبة أن ينقل لي وفاة ذلك الزميل إثر حادث مروري داخل الرياض قفزت فيه سيارته إثر ارتطام خفيف بجانب سيارة أخرى لتنقلب أكثر من مرة حتى المسار المعاكس لترتطم بسيارته الصغيرة أكثر من ثلاث سيارات مرة واحدة.
الإشكالية الكبرى هي أننا لماذا نسرع ؟ .. وماهو الشيء العظيم الذي سيكون بانتظارنا حتى ندرك الوقت بهذه العجلة ؟ .. إن كان لإدراك الدوام فمجرد التبكير بالخروج ولو 10 دقائق كفيل بحل الإشكالية .. فيما عداه لا أذكر أن هناك شيء يستحق القيادة المتهورة ، ذات يوم حدثني أحد الزملاء المشهورين بالقيادة المتهورة بعد وصوله المنزل بقوله (ياخي والله طفشان) .. طفشان إذن لماذا تقود بتهور حتى تصل المنزل وأنت تعلم يقيناً بأن لا شيء بانتظارك يستحق هذه العجلة.
النقطة الأخرى هي أن من يقود بتعجل وسرعة تصبح لديه عادة حتى ولو لم يكن لديه شيئاً، ولا يخفى عليكم كم هو الإقلاع عن العادات السيئة يصبح أمراً صعباً يحتاج لإرادة قوية.
لا أود أن أختم موضوعي وكأني في (سلامتك) أو (قف) .. ولكني أدعو من كل قلبي .. من ابتلي بالقيادة المتهورة أن يفكر بهدوء في هذه العادة ويتأمل تبعاتها .. والأهم أن لا يفاخر أمام الآخرين بأنه (جاب خط الشرقية في ساعتين) أو (وصل المنزل في ظرف 10 دقائق) لأنه في هذه الحالة يرسل رسائل غير مباشرة لآخرين .. يصبحون يوماً مجانين مثله !
- هذا الموضوع يأتيكم برعاية تروبيكانا ![]()





